
مانشيت – متابعات
4 معسكرات للدعم السريع مخفية في المعسكر 117 على بعد 12 ميل من بنغازي شرق ليبيا
الكولومبيين يقومون بتدريب المقاتلين الأجانب بالدعم السريع على المسيرات وضباط روس يوفرون الدعم للعمليات العسكرية
جنود تدربنا على الرشاشات وقاذفات الصواريخ وال RPG
طائرات النقل تهبط في الجنوب الليبي وتحمل الجنود والمعدات الحربية ثم تأخذ طريقها للسودان
عمار عوض
يزعم تحقيق وثائقي جديد أن مقاتلين من قوات الدعم السريع السودانية يتلقون تدريبات على استخدام الطائرات المسيّرة، والرشاشات الثقيلة، وقاذفات الصواريخ، داخل شبكة من المعسكرات السرية في ليبيا.
ويقول التحقيق، الذي أعدته منظمة Lighthouse Reports الهولندية غير الربحية، إن جنوب ليبيا أصبح مركزاً رئيسياً لتدريب وتسليح قوات الدعم السريع، وهي القوة شبه العسكرية التي وُجهت إليها مراراً اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم إبادة جماعية خلال الحرب الأهلية السودانية.
واعتمد التحقيق على مقابلات مع منشقين عن قوات الدعم السريع وضباط في الجيش الوطني الليبي، إضافة إلى تحليل مصادر مفتوحة، ليعرض تفاصيل عن تلقي مقاتلين سودانيين تدريبات على أيدي مرتزقة كولومبيين مدعومين من الإمارات وجنود ليبيين.
وأُنتج التحقيق بالتعاون مع Sudan War Monitor، وهو فريق من الصحفيين والباحثين في المصادر المفتوحة، ومنظمة Evident Media المتخصصة في التحقيقات البصرية، ليضيف فصلاً جديداً إلى الأدلة المتزايدة التي تشير إلى أن الحرب في السودان تحولت إلى حرب بالوكالة على مستوى إقليمي.
وكانت وكالة رويترز قد أفادت في وقت سابق من هذا العام بأن آلافاً من مقاتلي الدعم السريع تلقوا تدريبات في معسكر سري داخل إثيوبيا. كما تواجه الإمارات منذ سنوات اتهامات واسعة بدعم قوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي باستمرار.
أربعة معسكرات جديدة
وحدد المحققون الهولنديون أربعة معسكرات لم يكن قد تم توثيقها سابقاً في شرق ليبيا، وهي منطقة تخضع لسيطرة المشير خليفة حفتر، القائد المدعوم من الإمارات للجيش الوطني الليبي والحاكم الفعلي لنصف البلاد.
وفي أحد هذه المواقع، المعروف باسم المعسكر 17، وهو منشأة تابعة للجيش الوطني الليبي تقع على بعد نحو 12 ميلاً من مدينة بنغازي، قال منشق عن قوات الدعم السريع ومصادر ليبية إن مرتزقة أجانب دربوا مقاتلين سودانيين جرى نقلهم إلى ليبيا براً وجواً على استخدام الطائرات المسيّرة وأنظمة الأسلحة الثقيلة.
وقال منشق عن قوات الدعم السريع يدعى “أحمد” – وهو اسم مستعار لحماية هويته – إنه أمضى ثلاثة أشهر في هذا المعسكر.
وأضاف أن المدربين لم يكونوا ليبيين ولا سودانيين، وكانت أجسادهم مليئة بالوشوم، ويتحدثون الإنجليزية، وكانوا يتمتعون بـ”رتبة خاصة” داخل المعسكر.
وأوضح أن المجندين كانوا يعتقدون أن هؤلاء المدربين كولومبيون، وأن الإمارات هي التي جلبتهم وتتكفل برواتبهم.
وقد أشارت تقارير عديدة خلال السنوات الماضية إلى أن الإمارات موّلت مئات المرتزقة الكولومبيين، بعضهم مراهقون، للعمل إلى جانب قوات الدعم السريع في جبهات القتال داخل السودان.
وفي العام الماضي، أبلغت الحكومة السودانية مجلس الأمن الدولي أن شركات أمنية إماراتية خاصة، من بينها شركة Global Security Services Group (GSSG) ومقرها أبوظبي، تقف وراء تجنيد هؤلاء المرتزقة من أمريكا الجنوبية.
تدريب على الأسلحة الثقيلة
وقال أحمد:
“كنت ضمن المجموعات المسؤولة عن التدريب على الأسلحة الثقيلة.”
وأضاف:
“دربونا على الرشاشات الثقيلة، وقاذفات الصواريخ المتعددة، وكذلك قذائف الـRPG.”
وأشار إلى أن المعسكر كان يمثل مركزاً لوجستياً رئيسياً.
وقال:
“كل الإمدادات وكل ما يُرسل لدعم الحرب كان يصل إلى هذا المعسكر.”
وبحسب التحقيق، فإن المعدات العسكرية تدخل ليبيا عبر ميناء بنغازي أو على متن طائرات شحن تهبط في قواعد عسكرية داخل البلاد، قبل نقلها جنوباً إلى مناطق قريبة من الحدود السودانية.
آلاف المقاطع المصورة
ورغم محاولات السلطات الليبية إبقاء هذه العمليات بعيدة عن الأنظار، نشر عناصر من قوات الدعم السريع آلاف المقاطع المصورة على وسائل التواصل الاجتماعي منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 بين قائد الجيش السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان ونائبه السابق قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي).
ويظهر في أحد المقاطع ثمانية مقاتلين من الدعم السريع يستريحون في الصحراء ويلوحون للكاميرا، بينما يظهر مقطع آخر شابين يرتديان الزي العسكري ينزلان على الكثبان الرملية مستخدمين قطعة معدنية تبدو كأنها باب سيارة مكسور.
استمرار التدريب
وأكد مصدران من الجيش الوطني الليبي لـ”Lighthouse Reports” أن تدريب عناصر الدعم السريع على أيدي مدربين أجانب لا يزال مستمراً في المعسكر 17.
وقال أحمد إن المدربين الأجانب كانوا يبدأون أولاً بتدريب الجنود الليبيين، الذين يتولون لاحقاً تدريب السودانيين.
وأضاف:
“في البداية كان الكولومبيون يدربون الليبيين، وبعد أن يتقنوا التدريب، يتولون هم تدريب السودانيين… وكنا نجلس ونراقب أثناء تدريب الليبيين.”
وجود روسي أيضاً
ولم يكن الكولومبيون وحدهم الحاضرين في القواعد الليبية.
فقد قال منشق آخر من قوات الدعم السريع أمضى فترة في منطقة الجفرة وسط ليبيا إن أفراداً روس كانوا يتولون القيادة العملياتية للقاعدة، بينما كان الليبيون يديرون الجوانب الإدارية.
وأضاف أحمد أنه شاهد باستمرار وصول أسلحة وآليات عسكرية وصناديق ذخيرة على متن طائرات.
ورغم أن معظم المعدات لم تكن تحمل علامات تعريف، فإنه قال إن إحدى العربات المدرعة كانت تحمل عبارة واضحة:
“Made in UAE” (صنع في الإمارات).
وأضاف:
“كل شيء إماراتي. الإمارات هي التي تدعم قوات الدعم السريع.”
وتابع:
“كانوا يجلبون الأسلحة بطائرات من بلادهم إلى هنا، ومن هنا نستلمها وننقلها إلى السودان.”
صور أقمار صناعية ومقاطع مفتوحة المصدر
وقال معدو التحقيق إنهم تحققوا من رواية أحمد عبر تحليل صور الأقمار الصناعية للمعسكر 17، وصور جوية لمناطق التدريب وساحات المركبات، إضافة إلى مقاطع فيديو منشورة من جنوب ليبيا.
كما حددوا وجود سيارات Toyota Land Cruiser 79، وهي المركبات نفسها التي سبق أن ربطها محققو الأمم المتحدة بعمليات نقل أسلحة إماراتية مزعومة إلى قوات الدعم السريع.
وأوضح التحقيق أن هذه المركبات ظهرت بشكل متكرر في مقاطع مرتبطة بقوات الدعم السريع، وكذلك في مناطق التجميع داخل ليبيا، وهو ما اعتبره دليلاً على وجود شبكة إمداد منظمة.
كما قام المحققون بتحليل آلاف المقاطع المنشورة عبر تيك توك وفيسبوك وتلغرام، وقالوا إنها تؤكد وجود تعاون وثيق بين الجيش الوطني الليبي وقوات الدعم السريع.
وظهر قائد الدعم السريع حميدتي بكثرة في تلك المواد المصورة إلى جانب المشير خليفة حفتر.
نفي رسمي
ونفى مسؤولون ليبيون أن تكون قوات الدعم السريع تنشط انطلاقاً من الأراضي الليبية.
وعندما سُئل الملازم فتاح إهنيش، من لواء سبل السلام، عما إذا كانت بعض وحدات الجيش الوطني الليبي تعمل مع قوات الدعم السريع، أجاب:
“لا، هذه مجرد شائعات ينشرها أشخاص يحاولون إشعال صراع بين الجيش السوداني والجيش الليبي.”
كما رفضت قوات الدعم السريع الاتهامات بأنها تتلقى دعماً عسكرياً خارجياً أو تدير معسكرات تدريب خارج السودان.
وقال علاء الدين نقد، المتحدث باسم إدارة “تأسيس” المتحالفة مع الدعم السريع:
“هناك الكثير من الادعاءات غير الصحيحة، وقد أصدرنا بيانات نرفضها.”
وعندما سُئل مباشرة عن معسكرات التدريب في ليبيا، أجاب:
“كل شيء لدينا ذاتي. معسكرات التدريب الخاصة بنا موجودة داخل حدودنا.”
من جهتها، نفت وزارة الخارجية الإماراتية تقديم أي دعم عسكري أو مالي لأي طرف في النزاع.
وقالت في بيان:
“لم تقدم دولة الإمارات، ولا تقدم، أي دعم عسكري أو مالي لأي من أطراف الحرب في السودان.”
تطورات ميدانية
يأتي نشر التحقيق في وقت تتزايد فيه التقارير عن هجوم وشيك لقوات الدعم السريع على مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، التي أصبحت خط المواجهة الجديد في الحرب.
وكانت وزيرة الداخلية البريطانية إيفيت كوبر قد حذرت الأسبوع الماضي من أن المدينة تقف على “حافة كارثة إنسانية”، في ظل الاستخدام المتزايد للطائرات المسيّرة من قبل قوات الدعم السريع لاستهداف البنية التحتية المدنية وقطع الخدمات الأساسية.
كما تعرضت الحكومة البريطانية مجدداً لانتقادات بشأن تعاملها مع الأزمة السودانية.
فقد قال ناثانييل ريموند، المدير التنفيذي لـمختبر البحوث الإنسانية في كلية ييل للصحة العامة، أمام البرلمان البريطاني الأسبوع الماضي، إن لندن أحجمت سابقاً عن اتخاذ خطوات أكثر حزماً خشية الإضرار بعلاقاتها مع الإمارات.
وأضاف أن بريطانيا كانت في موقع فريد يسمح لها بمنع المذبحة التي قُتل فيها نحو 60 ألف شخص في مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور في أكتوبر الماضي، لكنها لم تتحرك بالشكل الكافي.
وأشار إلى أن بريطانيا، بوصفها الدولة المكلفة بصياغة قرارات مجلس الأمن الخاصة بالسودان وتنسيق استجابة المجلس، ما تزال تمثل “أفضل أمل في العالم” لمنع وقوع مزيد من الفظائع في السودان.






